يوسف المرعشلي
12
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
العربية من الداخل في كل مكان على الخلافة الإسلامية . وهكذا تم تفجير الوضع الداخلي في بلدان الخلافة بالثورات والحروب الداخلة التي تطالب جميعها بالانفصال ، ثم أعلنت الحرب الكونية الأولى وأقحمت فيها دولة الخلافة ، وانتهت هذه الحرب بالقضاء عليها ، واجتياح أراضيها والسيطرة عليها واستعمارها . وهكذا زالت « دولة الخلافة الإسلامية » من الوجود ، وتمّ للأعداء ما يريدون وأقصي الإسلام عن الساحة العالمية وارتفعت رايات الكفر ، وأصبحت الشعوب المسلمة شراذم مشتّتون متفرّقون لا يجمع شملهم وحدة دينية ولا سياسية ، ودخل الأعداء الصليبيون بلادهم ، ودخلت جيوش الفرنسيين والإنكليز والطليان لتحلّ محلّ الجيوش الإسلامية ، ودخل الجيش البريطاني إلى دمشق ، ووقف الجنرال اللنبي أمام قبر صلاة الدين وقال له : « قم يا صلاح الدين فقد عدنا لمحاربتك » ! وفرضت الوصاية على الشعوب الإسلامية بدعوى أنها قاصرة لا تستطيع أن تحكم نفسها ، وشكّل المستعمرون حكومات وإدارات محلّيّة يديرونها بأنفسهم ، واستعانوا على إدارتها بعملائهم وأعوانهم من الخونة الذين كانوا يأتمرون بأوامرهم ، ويعملون لمصالحهم . واكتشف « الأحرار » و « الثوار » بأنها خسروا الدنيا والآخرة ، وأنهم كانوا مخطئين ومخدوعين بأعدائهم غير المسلمين حينما وثقوا بهم وحاربوا دولة الخلافة ، ولكن الندم لم يعد ينفع بعد فوات الأوان . لقد انقسم المسلمون حول موقفهم من « الخلافة الإسلامية » ثلاث فرق : مؤيّد ومعارض ، وفريق مذبذب ضاع وتشوّش وحار في أمره ، وإنّ زوال « دولة الخلافة الإسلامية » من الأرض مسؤولية سيحاسب عليها جميع المسلمين ، في الدنيا والآخرة وإن ما يعانيه المسلمون اليوم في أرجاء الأرض من تشتت وضعف وضياع ما هو إلا نتيجة لزوال دولتهم منذ ذلك التاريخ . وإنّ المطّلع على تاريخ هذا القرن ليفجع حين يرى عددا كبيرا من المسلمين كان يحسن الظن بهم ، ويحسبهم على خير ، ويكتشف أنهم كانوا على صلة بالأعداء ، ومن يكن منهم على صلة بهم فإنه كان يحمل أفكارهم وسمومهم وشبهاتهم ، ويروّج لها بين المسلمين عن جهل أو علم منه ، بدعوى الرقي والتحرير والمدنية والإصلاح والتجديد ، وما ذلك إلا لعمى في قلبه ، وغواية من الشيطان ، والمعصوم من هذه الفتنة من عصمه اللّه